الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 18:19 خدمات الموقع - اقوال اباء
طباعة
فهرس المقالات
أقوال القديس يوحنا ذهبي الفم الجزء الثنانى
الصفحة الثانية
الصفحة الثالثة
جميع الصفحات
AddThis Social Bookmark Button

علامات الملكوت

+ من جرب من بينكم بتجارب أكثر بعد عمادة ، مثل هذا يلزمه ألا يضطرب لقد وهبتم أسلحة لا لكي تكونوا في راحة بل في جهاد فالله لن يبعدكم عن التجربة وذلك لأسباب كثيرة:

أولاً : حتى تعلموا أنكم قد صرتم أقوياء ...         ثانياً : حتى لا تتكبروا بسبب عظم عطاياه لكم .

ثالثاً : لكي يتأكد الشيطان أنكم قد جحدتموه تماماً ...  رابعاً : لأنه بالتجربة تزدادون قوة .

خامساً : لكي يكون لكم دليل وجود الكنز الذي لكم ، فإنه ما كان للشيطان أن يقتفي آثاركم ويجربكم إلا لأنه أنكم قد صرتم في كرامة أعظم ومجد أبهي.

مواهب خلاصية

مواهب الروح القدس

قمة الأعياد.

عظيم حقاً ، وفوق قدرة لسان البشر أن يصف مواهب هذا اليوم التي قدمها لنا الله كلي الحب.

من اجل هذا ، لنفرح نحن جميعاً معاً ، وبهذا يتمجد الرب ! فإننا تحتفل اليوم بعيد عام عظيم كيوم وليمة .

وكما تتعاقب الفصول فصل بعد فصل خلال السنة ، هكذا في الكنيسة تتعاقب الأعياد ، عيد بعد عيد  وتجمعنا كلنا معاً ، ففي القريب إحتفلنا بعيد الصلب والآلام ، والقيامة ، ثم صعود ربنا يسوع المسيح إلي السماء ، واليوم قد بلغنا إلي القمة ذاتها ، إلي رأس الأعياد ، وذلك تحقيقاً لوعد الرب القائل.

{لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي . ولكن إن ذهبت أرسلته إليكم}"يو7:16".  أنظروا قلقه علينا! تأملوا حنوه غير المنطوق به!  قبل هذه الأيام ، صعد إلي السموات ، وأخذ عرشه السماوي واسترد مجلسه عن يمين الأب ، وها هو اليوم يمنحنا نزول الروح القدس ، وخلاله يقسم علينا آلاف المواهب السماوية الأخرى ، لأن أي موهبة من بين المواهب التي تتمتع بها في داخل خلاص نفوسنا لم ننلها خلال خدمة الروح القدس؟!

فخلاله نتحرر من العبودية وندعي إلي الحرية! خلاله صرنا أولاد الله بتبنية إيانا! وفوق هذا كله ، إن أمكنني أن أقول ، أننا قد تجددنا ، خالعين عنا ثقل الخطايا الكريه!

خلاله نري قدامنا طغمات الكهنة! خلاله يساعدنا معلمينا ! فمنه ننال مواهب الإعلانات ، ومواهب الشفاء ، وكل المواهب الأخرى التي بها يزين الروح القدس كنيسة الله.

هذا ما يعلنه الرسول بولس قائلاً{ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء} "1كو11:12").

يقول {كما يشاء} وليس {حسبما يؤمر} . ويقول {قاسماً} وليست {مقسمة} مظهراً المواهب ، وليس كمن يخضع لسلطان أخر.

فالسلطان الذي يشهد عنه الرسول بأنه للأب هو نفسه ينسب للروح القدس . وكما قال عن الأب {ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل"ع6} ويقول أيضاً عن الروح القدس{ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء}.

أنظروا كمال السلطان ، فإذ الطبيعة (الإلهية) واحدة ، لذلك فإنه لا يوجد أدني شك من جهة السلطان وإذ توجد مساواة في الكرامة فإن القوة والسلطان واحد .

قوة الروح في حياتنا.

خلاله ننال غفران الخطايا ، خلاله نتطهر من كل وصمه .
خلال عطيته نتغير من بشر إلي ملائكة ، هؤلاء الذين يشتركون معنا في التمتع بنعته . ولكن لا نكون هكذا في الحال ، بل ما هو مدهش أننا ونحن بعد في طبيعة البشر نظهر سلوكاً في الحياة يليق بالملائكة.

            هكذا إذاً هي قوة الروح

وكما أن النار المادية متى تعرض لها طين ناعم تحوله إلي إناء مصقول ، هكذا نار الروح القدس إذ تتخلل نفسنا ، وإن كانت تجدها أكثر نعومة من الطين ، لكنها تجعلها أكثر صلابة من الحديد . والنفس التي كانت من قبل موصومة بلوث الخطية ، تصير للحال أكثر إشراقاً من الشمس.

هذا ما يعلمنا به بولس الطوباوى ، عندما يصيح قائلاً {لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله "1كو10،9:6"} وإذ أحصي غالبية صنوف عدم الاستحقاق وعلمنا أن من يستعبد نفسه لمثل هذه الأمور يصير غريباً عن ملكوت السموات أكمل قائلاً{وهكذا كان أناس منكم . لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم}. 

كيف حدث هذا ؟! {باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا}.

أنظروا هنا أيها الإخوة الأحباء قوة الروح القدس . أنظروا كيف يغسل الروح كل الدنس وأولئك الذين سبق أن خدعتهم خطاياهم الخاصة برفعهم إلي أعلي درجات الكرامة...

من هو هذا الذي لا يحزن بحق ويرثى لحال أولئك المجدفين الذين يحاولون أن يقللوا من كرامة الروح القدس ، أولئك الذين يشبهون أناساً بغير تعقل عن نكرانهم للجميل بعدم تذكرهم عظمة مواهبه؟ لا إنهم لا يخجلون عن العمل ضد كل ما يختص بخلاصهم محتقرين إياه مجاهدين قدر طاقتهم أن ينعوا عنه كرامة الرب ، حاسبين إياه مخلوقاً هؤلاء أود أن أقدم لهم سؤلاً لأي سبب تشنون حرباً مرة كهذه ضد عظمة الروح القدس أو بالحرى ضد خلاصكم ؟! أما تريدون أن تضعوا اعتباراً في أذهانكم ما قاله المسيح لتلاميذه {فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس "مت19:28؟!

هنا يمكنك أن تري المساواة في الكرامة!  هنا تري تمام الاتفاق الكامل! هنا نتأمل الثالوث غير المنفصل!

{ تحدث بعد هذا عن لاهوت الروح القدس}

لماذا لم يرسل الروح للحال؟

ما قد قيل يكفي لردع أولئك المتجاسرين بالتعليم ضد كلمات الروح القدس ، وأما لأجلنا نحن  فإنه من واجبنا أن ننطق بكلمات قليلة لمحبتكم بخصوص سبب هذه المواهب الثمينة هكذا . التي منحنا الرب إياها ، ليس بعد صعوده للحال ، بل سمح بمرور عدة أيام حتى يصلحون عندما يرسل لهم نعمة الروح وهذا لم يحدث بغير سبب ... لأنه لم تكن البشرية تعرف كيف تقدر الأمور الصالحة العجيبة التي بين يديها ، أو كيف تكرم كما يجب ، ما يبدو عظيماً هكذا ومفرحاً ما لم تختبر أولاً ما هو ضدها.

وهذا ما يجب أن يوضح تماماً ، فكمثال الإنسان المتمتع بصحة جيدة لا يري ولا يعرف حقيقة قيمة عطية الصحة التي يتمتع بها ، ما لم يتعلم ما هو المرض خلال مرض مفاجئ يصيبه.

والذي يري النهار مرة أخري لا يفكر قط في المصباح حتى يحل ظلام الليل مرة أخرى.

هكذا فإن إختبار الضد يعلمنا بوضوح قيمة ما نتمتع به الآن لهذا السبب بعد مجيئه(المسيح) بدأ التلاميذ يتمتعون بأمور صالحة غير محصية وإذ كان هو معهم عبر الوقت عليهم وهم في سرور عظيم إذ تطلعت الأنظار إليهم كأنهم كواكب عجيبة ... لأنهم كانوا يقيمون موتى ويطهرون برص ويخرجون الشياطين ويشفون المرضي ، ويصنعون أموراً مدهشه.

وإذ كانوا موضوع دهشة الغير ، وصاروا هكذا مشهورين ، لذلك سمح (الرب) أن تنزع عنهم هذه القوة التي وهبت لمساعدتهم ، حتى بحرمانهم منها يدركون قيمة الصلاح الممنوح لهم ، وإذ يدركون عظمة النعمة الممنوحة لهم يتقبلون بشوق عظيم عطية الروح القدس.

فإنه قام بتعزيتهم إذ كانوا حزاني ، وأشرق عليهم بنور أشعته إذ امتلأوا غماً وحزناً من أجل فراق سيدهم.  لقد أقام هؤلاء الذين كانوا مطروحين وبدد ظلام حزنهم ونزع عدم يقينهم.

الروح القدس والكرازة.

لأنه عند سماعهم صوت الرب القائل{أذهبوا وعلموا الأمم كانوا سيعودون (إلي الكرازة) ولا هم يدرون أين يذهب كل منهم ليبشر بكلمة الله.

وإذ جاء الروح القدس على شكل ألسنة ، حدد لكل منهم منطقة عملة في العالم التي فيها يبشر باللسان الذي وهب له ، وذلك كما لو كانت قائمة مكتوبة تحدد جهة اختصاص التعليم.

من أجل هذا جاء الروح القدس على شكل ألسنة ، ولكن ليس لهذا السبب وحده ، وإنما لكي يذكرهم أيضاً بالماضي لأنه عندما امتلأ القدامى بالكبرياء ، وتفاهموا بلغتهم العامة المشتركة أن يبنوا برجاً إلي السماء ، وضع بلبلة الألسن وانقسامها حداً لغرضهم الشرير (تك11) من أجل هذا حل الروح القدس عليهم على شكل ألسنة ، بقصد توحيد العلم المنقسم.

لقد حدث هناك في العلية أمر جديد وغريب ، لأنه كما في العصور الماضية انقسمت فإن الألسنة الآن تربط العالم معاً وتجعل أولئك المنقسمين في اتفاق معاً . وهكذا ظهر في شكل ألسنة ، وألسنة من نار لأن شوكة الخطية التي فينا قد صارت غابة ، لأنه كما أن الأرض الغنية المخصبة إن تركت بغير زراعة زماناً تنتج أشواكاً كثيرة ، هكذا أيضاً طبيعتنا التي خلقت صالحة وقادرة على الآتيان بنتاج وفير من الفضائل ، فإنه ما لم يمر عليها محراث حب الله المستحق الكرامة ، ويلقي فيها بدار المعرفة الإلهية ، فإنها تنتج قساوة ، كما لو كانت أشواكاً ونباتات ليست بذي نفع. وكما يحدث غالباً ، بسبب اتساع مساحة الأشواك والأعشاب غير النافعة ، لا نعود حتى أن نري وجه الأرض ، هكذا فإن نقاوة النفس ونبلها لا يعودا يظهران إلي أن يأتي ويهيئا ، إلي أن يأتي فلاح طبيعتنا البشرية ، ويلمسها بنار الروح ، ويطهرها ، ويهيئها ، لكي تتقبل البذار الصالحة.

سر الميلاد المجيد.

+ الذي يعتمد للمسيح لا يولد من الله فقط ، بل أنه يلبس المسيح أيضاً . ولا نأخذ هذا على المعني الأدبي ، كأنه عمل من أعمال المحبة ، بل المر حقيقة ، فالتجسد جعل اتحادنا بالمسيح واشتراكنا في الألوهية أمراً واقعاً .

+ حين تغطس الرأس تحت الماء كأنه قبر ، فيه تدفن كل إنسانيتنا القديمة ...

 وإذ تخرج بعدئذ فإنه يطفو ويخرج إنساناً جديداً . وكما أنه يسهل علينا أن نغطس ثم نطفو هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسانية القديمة ويلبسنا الإنسان الجديد.

سر الميرون وحياة النمو.

+ إن الذين كانوا يمسحون في العهد القديم هم إما كهنة وأما أنبياء وأما ملوك ، أما نحن المسيحيين أصحاب العهد الجديد ، فيجب أن نمسح لكي نصير ملوكاً متسلطين على شهواتنا ، وكهنة ذابحين أجسادنا ومقدسين إياها ذبيحة حية مقدسة مرضية عبادتنا العقلية ، وأنبياء لإطلاعنا على أسرار عظيمة جداً وهامة للغاية{خاصة بالأبدية}.

بها تذكر الكنيسة حب عريسها.

+ {وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً ....}مت28:26".

لقد قدم شكراً معلماً إيانا كيف نقدس نحن هذا السر  ، وموضحاً لنا أنه لا يقترب إلي الآلام بغير إرادته ... وفي هذا أيضاً أساساً لرجاء عادل.

ها أنتم ترون أي اهتمام يعطيه لنا ، أن نتذكر عمله لأجلنا إلي الأبد؟! ... فأنه حتى في الأسرار المقدسة يذكرنا بآلامه حتى لا يقودنا أحداً بعيداً عن الحق , وهكذا في الأسرار يخلصنا ويعلمنا الاثنان معاً في المائدة المقدسة . لأن هذا هو رأس كل النعم لذلك يتذكره بولس كما لو كان مناقضاً لعقلنا .

بالحرى ليت كلمته تتغلب على فهمنا وقوتنا حتى نرى !

ليتنا نفعل هذا أيضاً في الأسرار المقدسة ناظرين ليس فقط إلي ما نراه بعيوننا أمامنا ، بل متمسكين بيقين كلماته لأن قوله لا يخدع أما حواسنا فقد تخدعنا.

كلماته لا تسقط ، أما ذهننا فقد يخور في أمور كثيرة.

فإذ قال (هذا هو جسدي) لنثق في قوله ! لنؤمن به ! لننظر إليه بعيني النفس ، لأن المسيح لم يعطنا شيئاً يخضع للحواس ، فإنهما وإن كانا خاضعين للحواس من جهة الشكل ، لكنهما خاصين بالذهن.

ففي العماد أيضاً حيث تعطي لنا العطية خلال مادة الماء المنظورة ، لكن ما يحدث هو أمر روحي أي الولادة والتجديد. 

فلو لو يكن لك جسد لوهبك هذه العطايا الروحية ، بطريقة واضحة غير محتجبة {في المادة} ولكن إذ نفسك متحدة بالجسد لذلك يهبك عطاياه الروحية في أمور يمكن أن تراها . كم من أناس ها هنا يقولون الآن : هل أستطيع أن أراه في شكل جسدي؟! أري آثار قدميه وثيابه!!

ولكنكم أنتم ترونه وتلمسونه وتأكلونه !أنتم تشتاقون أن تروا ولو ثيابه ، أما هو فيهبكم ذاته ، لا أن تروه فحسب بل وتلمسوه وتأكلونه وتقبلونه في داخلكم ... 

+ {لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق} "يو55:6".

لقد قال بهذا أما لكي يؤمنوا أن ما قد قيل {ليس هو لغز أو مجاز بل لكي يعرفوا أنه من اللازم تماماً أن يأكلوا جسد المسيح} وربما أراد أن يخبرهم بأن هذا الطعام الحقيقي هو هذا ، الذي له القوة لكي يخلص النفس.

به ننال الحياة الأبدية.

+ وأيضاً إذ وعد بالحياة لمن يأكل منه ، فكأنه يؤكد هذا الوعد بقوله من يأكل جسدي ويشرب دمي ليثبت في وأنا فيه "يو56:6").

+ ألسنا نحن نقدم كل يوم قرابين؟! نعم نقدم . ولكننا نصنع تذكار موته وهذه الذبيحة التي تقدمها كل يوم هي واحدة لا أكثر لأنه قدم مرة واحدة ... لأننا دائماً نقدم حملاً واحداً بعينه . ولا نقدم الآن خروفاً ، وغداً خروفاً أخراً ، بل الحمل نفسه دائماً.

فالذبيحة إذن هي واحدة.

فهل مسحاء كثيرون ، لأن الذبيحة تقدم في أماكن كثيرة؟! حاشا ، لأن المسيح واحد في كل مكان وهو هبنا بكليته جسد واحد ، وكما أنه يقدم في أماكن متعددة ولا يزال جسداً واحداً لا أجساد كثيرة هكذا الذبيحة هي أيضاً واحدة..

+ فكر كيف أن غضبك عظيم ضد {يهوذا} خائنه وضد {اليهود الأشرار} صالبيه؟! احذر لئلا تكون أنت نفسك مجرماً في جسد المسيح ودمه.

هم قدموا هذا الجسد المقدس للموت ، وأما أنتم فبعدما نلتم منه رأفات كثيرة تتقبلون جسده في نفس شريرة.!

لم يكتف بأن صار إنساناً ، وضرب على وجهه ، وذبح ، وسار بيننا واشترك معنا ... وجعلنا جسده. من يتحرر من الخطايا كمثل من يشترك في مثل هذه الذبيحة؟! فأنه تصير بلا وصمه كأشعة الشمس تلك اليد التي تكسر هذا الجسد ، وذلك الفم الذي يمتلئ بالنار الروحي ، واللسان الذي يمسح بالدم!

تأملوا أية كرامة نلتموها ! هذا الذي ترتعب الملائكة من رؤيته ولا تجسر أن تحملق فيه من بهاء نوره ، بهذا ننتعش وبه نرتبط ونصير جسداً واحداً ولحماً واحداً مع المسيح!

{عظيمة هي أعمال الرب ...} "مز2:11".

أي راع يغذي قطيعة بأعضائه ؟! أقول أي راع فعل هكذا؟!

أمهات كثيرات بعدما تحملن آلام الأمومة ، دفعن أولادهن إلي مربيات أخريات ، أما هو فلم يطق أن يفعل هذا ، بل شاء أن يغذينا بجسده ودمه ، ويربطنا بكل وسيلة؟

بهذا السر يوحد نفسه نع كل نفس مؤمنه ، وأولئك الذين يهبهم الحياة ينعشهم بذاته ... ليتنا لا نستهين بهذه الكرامة ، نحن الذين صار لنا استحقاق لمثل هذه الكرامة.

أنتم ترون شغف الرضع على صدور أمهاتهم ، كيف يتعطشون إلي الرضاعة منهن ؟! ليتنا بنفس الشغف نقترب إلي هذه المائدة وإلي صدور الكأس الروحي ، بل وبشغف أعظم نشرب بعمق من حب الروح ، مثل أطفال على الصدور ، وليكن هذا هو حزننا الوحيد أن نحرم من هذا الطعام .

هذه العطايا القائمة أمامنا ليست آتية من قوة بشرية . ذاك الذي جعلهم معه في العشاء السري بنفسه الآن يقدم لنا هذه المائدة .

نحن الذين نخدم ، نقوم بالعمل كخدم ، لكنه هو الذي يقدس ، هو الذي يحولها. لذلك ليته لا يكون بيننا يهوذا حاضر ، ولا محباً للفضة.

إن كان من بيننا أحد ليس بتلميذ ، فليخرج خارجاً ، فإن المائدة ليست معدة لمثل هذا.

حول سر الأفخارستيا

+ {وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطي التلاميذ ....}.

لماذا رتب الرب هذا السر في وقت الفصح ؟ ذلك لكي لا تتعلموا بطرق كثيرة أنه هو مشروع العهد القديم ، وأنه به رموزاً لهذا السر ، وحيث يوجد الرمز ، توجد أيضاً الحقيقة.

وحدث هذا في وقت المساء ، إذ كان المساء علامة على نهاية تلك الأزمنة{العهد القديم} إذ قد انتهت هذه الفرائض.

سر مسحة المرضي.

+ {مقارنته بين أبوة الوالدين وأبوة الكهنة} أما أولئك {الوالدين} فليدوننا لهذه الحياة ، وأما هؤلاء فلتلك.

أولئك لا يقدرون أن ينقذوننا من الموت الجسدي ولا أن يزيلوا مرضاً يتسلط علينا . وأما هؤلاء فكثيراً ما خلصوا نفساً مريضة وقريبة من الهلاك .... وذلك ليس بالتعليم والإرشاد فقط ، بل بمساعدتهم بالصلوات أيضاً ، لأن سلطانهم في غفران الخطايا لا ينحصر في البرهة التي يلدوننا فيها بالمعمودية بل يمتد إلي ما بعدها أيضاً ، لأنه يقول {أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يقيمه وإن كان قد فعل خطية تغفر له ...

موهبة الكهنوت

+ لو أفتكر أحد بأنه يستطيع الدنو من تلك الطبيعة المغبوطة النقية لكان يري جيداً لأن كرامة نعمة الروح أهلت الكهنة . لأنه بهم تتم هذه وغيرها مما ليس دونها من أمر وظيفتنا وخلاصنا ، فإن رجالاً ساكنى الأرض وسالكين فيها نيط بهم أن يسوسوا ما في السموات ونالوا سلطاناً لم يعطه الله للملائكة ولا لرؤساء الملائكة.

السلام الفائق العاقل.

+ {ليملك في قلوبكم سلام الله الذي إليه دعيتم في جسد واحد وكونوا شاكرين} كو15:3.

{سلام الله} هذا الذي هو سلام ثابت وأكيد ، فلو أن لك سلام إنسان فبالحق سرعان ما يزول وينتهي  أما سلام الله فلن ينحل . إذ الله {سلام} لهذا جعل معنا سلاماً.

+ {وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع} "في7:4".

ماذا يعني هذا؟

{سلام الله} الذي يجلبه للبشر هو فائق كل عقل ، لأنه من كان يتوقع أو يترجى أن تحدث هذه الأمور التي حدثت؟! إنها أمور تعلو فوق فهم الإنسان ، وليس فوق حديثة فقط ، لأنه أسلم ابنه الوحيد من أجل أعدائه ، من أجل مبغضيه ، هؤلاء المصرون على تركه ... هذا كله ليصنع معهم سلاماً.

إذن هذا السلام ، أي المصالحة ، أي حب الله ، يحفظ قلوبكم وأفكاركم.

مواهب الشفاء وعمل المعجزات.

ما يقوم به الروح القدس اليوم على أيدي خدامه هو نفسه ما كان يقوم به الرب يسوع عندما كان بيننا بالجسد بسلطانه الذاتي ، وبنفس الروح وبذات الغاية.

لهذا إن كنا في حاجة للتعرف على موهبة الشفاء وتمييزها عن أضاليل الشياطين ، يلزمنا أولاً أن نتعرف عن مقاصد الرب يسوع من صنعه معجزاته...

الرب يسوع ومعجزاته.

الكلمة الذي كل شيء به وبغيرة لم يكن شيء مما كان )"يو3:1". تجسد مخلياً نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس(في7:2) وفي دائرة إخلائه يؤكد ذهبي الفم أن يسوع لم يصنع معجزة واحدة علنية (تناقض قوانين الطبيعة) في طفولته وصبوته ... رغم كونه الخالق ، يخلق اللبن في ثديي أمه وغيرها من الأمهات ، ويخلق الأجناء في بطون أمهاتهم ويدير شئون المسكونة كلها ... ولكنه لم يرد أن يبهر من هم حوله ، بل أراد أن يصير مشابهاً لنا ... وأن أول معجزة قدمها هي تحويل الماء خمراً ، إذ يعلق يوحنا الحبيب عليها{هذه هي بداية الآيات فعلها يسوع}"يو11:3".

هذا يكشف لنا عن هدف المعجزة في نظر الرب يسوع ، أنها لم تكن اعتباطاً ولا بلا هدف ولا لمجرد الظهور أو نوال كرامة ومجد بشري ، أو لابهار الناس بها ، إنما من قبيل حبه وترفقه وعطفه علينا ، ولكي يكشف لنا عن مفاهيم روحية ولاهوتية عميقة تمس حياتنا وعلاقتنا بالله كما سنري .

فيسوع صنع آيات هذا عددها {وأشياء أخره كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة فواحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة} "يو25:21". بل وأعطي تلاميذه بالروح القدس سلطاناَ أن يصنعوا باسمه أشفيه ومعجزات(مت8:10  و مر18:16) فكان ظل بطرس يختم على المرضي فيبرأون(أع15:5) وكان يؤتي عن جسد بولس المريض بمناديل أو مآزر إلى المرضي فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة(أع10:19) ولا زال وسيزال يعطي اله هذه الموهبة حسب إرادته ووفق غني حكمته فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة. ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد. ولآخر إيمان بالروح الواحد ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد. ولآخر عمل قوات ولآخر نبوة ولآخر تمييز الأرواح ..... (1كو8:12-10)

والكنيسة غنية بقديسيها الذين وهبهم الروح القدس صنع المعجزات منهم القديس العظيم الأنبا ابرآم أسقف الفيوم الأسبق(1829-1914) الذي ذاع صيته في المسكونة ، والقديس الأنبا صربامون أبو طرحه هذان اللذان تشهد حياتهما والمعجزات التي تمت على يديهما بعمل الله فيهما.

ولا نزال إلي يومنا هذا نسمع ونشاهد بعيوننا ما يتمجد به الله على يدي قديسيه ... فكم من معجزات تحدث في أعياد القديسين أمثال السيدة العذراء مريم والشهيد العظيم مار جرجس الروماني والقديسة دميانة ...الخ.

بل وأعرف كثيرين ممن تحققت معهم معجزات في بيوتهم بقوة الرب على يدي قديسيه.

لكن يلزمنا أن نتدارك بأنه كما أن ليس كل من تقدس الرب أعطي موهبة الشفاء وصنع المعجزات هكذا ليس كل من يصنع معجزات هو قديس ، إذ يقول أغسطينوس {فعلينا ألا تخدع لمجرد تسميتهم باسم المسيح دون أن يكون لهم الأعمال ، بل ولا الأعمال ولا المعجزات أيضاً تخدعنا ، لأن الرب الذي صنع المعجزات لغير المؤمنين ، حذرنا أن تخدع بالمعجزات ظانين أنه حيثما وجدت المعجزة المنظورة توجد الحكمة غير المنظورة ، لذلك أضاف قائلاً {كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة} ...

 فحنيئذ أصرح لهم إني لا أعرفكم قط ، أذهبوا عني يا فاعلي الإثم}"مت23،22:7"). فهو لا يعرف غير صانعي البر ، لهذا منع تلاميذه من أن يفرحوا بصنع المعجزات مثل خضوع الشياطين لهم قائلاً {بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كتبت في السماء)"لو20:10". أي في مدينة أورشليم التي لا يملكها سوي الأبرار والقديسون ، كما يقول الرسول {ألستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله}"1كو9:6").

لكن قد يقول قائل بأن الظالمين لا يستطيعون فعل هذه القوات المنظورة ، وأنهم يقولون كذباً{باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات} "لكننا لننظر ما صنعه ساحرو مصر المقاومين لموسى خادم الله}"خر8،7".

ويقول يوحنا فم الذهب تعليقاً على قبول الحبيب{وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً . بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضا لبعض}.

+ إذاً تغافل يسوع الحديث عن المعجزات التي يلزمهم أن يصنعونها ، جعل الوصف الخاص بهم هو {الحب}.

ولماذا ؟! لأن الحب يحتل المكان الرئيسي في إظهار القديسين وهو ينبوع كل الفضائل ... أليس بالأولي أن تكون المعجزات هي علامة تلمذتهم له؟!

لا لأن {كثيرون سيقولون ... أليس باسمك أخرجنا الشياطين } مت22:7". أما الحب فهو بحق يجعلهم للحال كاملين ، ويجعل لهم القلب الواحد والروح الواحد ، لكن إن انقسموا كل على الأخر يفقدون كل شيء.

+ أنظر إلي عداد القديسين ، إنهم أضاءوا ، لكن ليس بمعجزاتهم ، لأن كثيرين رغم إخراجهم للشياطين لا ينالون كرامة ، لأنهم يصنعون الشر ، ولهذا يعاقبون.

ربما تتسائل ما الذي جعل هؤلاء عظماء؟! إنهم احتقروا الغني ، وازدروا بالمجد الباطل  وأعطوا القفا لأمور العالم الزمنية.

لأنهم لو افتقروا في هذه الأمور ، أو انشغلوا بشهواتهم ، فإنهم حتى وأن أقاموا آلاف من الموتى إلي الحياة ، فإنهم يكونون كلا شيء بل ويصيرون كمخادعين ومخالفين.

تأمل إذن أن حياتهم هي التي أضاءت من كل جانب . أي معجزات صنعها يوحنا الذي جذب كثيرون من المدن ، إذ يخبرنا الإنجيلي بأنه لم يصنع معجزة واحدة (يوحنا لم يفعل أية واحده)"يو41:10".

وبماذا كرم إيليا ؟ أليس من أجل شجاعته وانتهاره للملك ؟ ألم يكن السبب غيرته من جهة الله؟ ألم يكن بسبب فقره ، ثوبه الجلدي وكهفه ووحدته ، فإنه بعد هذا كله صنع معجزات.

وأي معجزات صنعها أيوب حتى أدهش الشيطان منه؟ .. لم يكن يصنع غرائب ، إنما أمسك بنفسه حياة مكرمة مستقيمة ، وصبراً أشد صلابة من الماس.

أي معجزات صنعها داود في صبوته ، حتى يشهد الرب عنه قائلاً{وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي}"أع22:13".

وأيضاً إبراهيم وإسحق ويعقوب .... أي أموات أقامهم؟! أي برص طهروهم؟! أما تعلمون أن المعجزات ما لم نراعي أمرها جيداً ، فإنها على وجه العموم تضرنا؟!

فإن كثيرين من بين أهل كورنثوس انقسموا على أنفسهم بسبب المعجزات ، وبسببها إمتلأ بعض أهل روما بالكبرياء ، وبسببها طرد سيمون ...

وأخيراً من أراد أن يتبع السيد المسيح ، يستعمل تلك الكلمات الحكيمة{للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار}{وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه}...

والسيد المسيح نفسه عندما كان يشرع لتلاميذه ، ماذا ألقي عليهم؟! بتأكيد لا أن يتمموا معجزات فيعجب الناس منهم . لا بل ماذا قال؟! {ليضيء نوركم قدام الناس فيروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السموات}. ولبطرس أيضاً لم يقل له{إن كنت تحبني} اصنع معجزات بل {إرع غنمي}.

الروح القدس والقداسة.

تقديس الخطاة.

{لأن هذه هي إرادة الله قداستكم .... أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة}"1تس4،3:4".

هذه هي إرادة الله القدوس وحده (رؤ4:15) أن نكون ونحن قديسين كما هو قدوس (1بط16،15:1) وكيف يمكن للبشرية التي تدنست بالخطايا ، وصارت إلي حد تعبير الكتاب المقدس (زانية) أن تكون مقدسة  ولائقة كعروس للرب القدوس .

لا تستطيع البشرية أن تتقدس بذاتها ... ولا يستطيع الخاطئ بذاته أن يتقدس مهما جاهد بذاته ومهما صنع ! لذلك قدم الرب ذاته للبشرية وإذ هو قدوس يحول الزناة إلي عفيفين ، والعشارين والخطاة إلي إنجيليين ومبشرين ، واللصوص وسافكي الدماء إلي وارثين للفردوس...

أخي ... باطلاً يكون جهادك وتعبك ما لم تتقن الرب يسوع في حياتك ، وتتمتع بعشرته ، وتتجاوب مع روحه فيك.

يقول ذهبي الفم :ـ

+ لقد اخذ الخاطئة ، وخطبها لنفسه ! وماذا قدم لها ؟ خاتم الزواج !

وما هو معدن الخاتم؟ الروح القدس إذ يقول بولس{ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضاً وأعطي عربون الروح} "2كو22،21:1"). لقد أعطاها الروح القدس.

بعد ذلك قال لها{على لسان العريس} ألم أغرسك في الفردوس؟

فتجيبه : بلي.

ثم يسأل : وكيف سقطت من هناك؟

تجيبه : الشيطان جاء وطردني من الفردوس والشيطان طردك أنظري فإنني أغرسك في أنا. إنني أسندك فلا يعود الشيطان يقدر أن يجسر ويقترب إليك إذ لا أعرفك إلي السماء بل إلي هنا حيث ما هو أعظم من السماء.

أحملك في نفسي ، أنا هو رب السماء .  الراعي يحملك ، فلا يقدر الذئب أن يقترب إليك بعد ، أو بالحرى لا أسمح له أن يقترب إليك... إنها تقول . لكنني خاطئة ونجسه .

لا تضطربي بسبب هذا فإنني طبيب . إنني أعرف الإناء الذي لي ، وأعرف كيف ، فأعيد تشكيلك بواسطة جرن المعمودية مسلماً إياه لعمل النار ...{سيعمدكم بالروح القدس ونار}"مت11:3".



تاريخ آخر تحديث: الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 18:28