الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 18:13 خدمات الموقع - اقوال اباء
طباعة
فهرس المقالات
أقوال القديس يوحنا ذهبي الفم الجزء الاول
الصفحة الثانية
الصفحة الثالثة
جميع الصفحات
AddThis Social Bookmark Button

أقوال القديس يوحنا ذهبي الفم.
الله فردوس نفسي

+ ماذا أفعل ؟! إنني إنسان ، وأنطق بلغة بشرية ، لساني من الأرض ، لذلك ألتمس العفو من ربي  فإني لا أستخدم تلك التعبيرات الخاصة بالروح من قبل الاستهتار ، بل لفقر مصادري الناجم عن ضعفي وطبيعة لساني البشري.

تراءف على يا رب ... فأنني لا أنطق بهذه الكلمات من قبيل الوقاحة ، بل لأنه ليس لدي إمكانيات غير هذه ، ومع هذا فأنني لست بقانع تماماً بمعاني كلماتي ، إنما أحلق متسامياً بأجنحة فهمي.

+ تطلع معي حكمة بولس ، كيف كان يبحث عن عبارات يوضح بها لنا عن لطف الله !! لأنه لم يقل مجرد كلمة (نعمة) أو (غني) بل قال (غني نعمته الفائق باللطف علينا)"أف7،6:2". بل ومع هذا لازال تحت العلامة (أي لا تقدر العبارات مهما بلغت أن تعبر عنها كما هي) وذلك كمن يقبض بأيد كثيرة على جسم ذلج فيفلت منا ، هكذا نعجز عن أن نقبض على الحب الإلهي المترفق مهما بلغت العبارات التي نحاول أن نلحق به . فعظمة حنو الله الفائقة تحير نطقنا.

هذا ما أختبره بولس نفسه ، إذ رأي أن قوة الكلمات تعجز أمام عظمة حنو الله ، لذلك أكتفي بقوله (فشكراً لله على عطيته التي لا يعبر عنها)"2كو15:9". لأنه لا يقدر كلام أو عقل ما أن يوضح اهتمام الله المتحنن ، لهذا يقول أن التعبير عنه فائق ، وفي موضع آخر يقول (وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم)"في7:4".

الوصية والأبوة .

الله أب ، يود أن يتبنى الإنسان الترابي ، والوصية الصادرة من إله كهذا ، إنما هي وصية حب تبني ولا تهدم ، دافعها الحب لا الاستعباد ، إعلان الحرية لا الإذلال ... هي وصية أبوية! ...

أما العقوبة الصارمة التي أعلنها كجزاء للعصيان ، فلم تكن للانتقام بل للكشف عن النتيجة الطبيعية لعمل يرتكبه الإنسان بيديه...

فكما أن الأب يمنع طفله من لمس النار لئلا يحترق ، لا لأنه يريد حرقه ، بل لأن طبيعة النار محرقة  هكذا يحذر الله آدم من المعصية لأن المعصية أو الانفصال عن طاعة الله بطبيعته يفقد الإنسان حياته..فالتحذير والإنذار هنا من قبيل الحنو والترفق لا الغضب (بمفهومنا البشري) والانتقام.

والعجيب في حديث الله لنا ، أنه لا ينسب النيران إلينا بل يقول أنها (معده لإبليس وجنوده)"مت25".

وكأنها لم تعتد للبشرية . لكنه عندما يتحدث عن الملكوت السماوي ينسبه لنا أنه(معد لنا).  فإن كان الله يسر بأن ندعوه (أبانا) إذ بالمعمودية صرنا أولاداً لله والكنيسة ، فإن الوصية عندئذ تصير علامة عن تجاوبنا مع روح النبوة الذي نلناه ، الذي به نصرخ قائلين (يا أبا الأب).

فتنفيذ الوصية هو من قبيل قبولنا روح النبوة وتجاوبنا معها ، لذلك يؤكد الرسول(والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه ... إن علمتم أنه بار فاعلموا أن كل من يصنع البر مولود منه)(1يو29:28:2).

(أنظروا أية محبة أعطانا الأب حتى ندعي أولاد الله ... كل من يثبت فيه لا يخطئ . كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه . أيها الأولاد لا يضلكم أحد . من يفعل البر فهو بار كما أن ذاك بار من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ ... كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله . بهذا أولاد  الله ظاهرون وأولاد إبليس كل من لا يفعل البر فليس من الله ....."1يو1:3-10").

وأما عمل الشيطان فهو تشويه مفهوم الوصية من هذا الجانب بتشكيك الإنسان في محبة الله وأبوته له بتشويه مفهوم الوصية ، إذ قال (أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة ... لن تموتا بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر)"تك1:3-5".

دخل الشيطان إلي قلبي أدم وعروسه بتشكيكهما في أبوة الله لهما بتشويه دافع الوصية الإلهية ... لكنه فشل في الدخول إلي قلب أدم الثاني عندما حاول تشكيكه قائلاً(إن كنت ابن الله ...) وهكذا يعجز أيضاً عن تشكيك عروسه الحقيقي ـ الكنيسة جسد يسوع السري ـ في بنوتها للأب.

بين الأبوة والحرية.

الوصية الصادرة من أب محب .... عملها إذابة إرادة الإنسان في إرادة أبيه بمحض اختياره
فالوصية في نظر الابن المطيع حرية ، أما في نظر العاق فهي علامة عبودية .
 فالابن المطيع لا يري الحرية في تخلصه من بيت أبيه كما ظن الابن الشارد(لو15) الذي رأي في أبيه الإنسان القاسي الظالم يعطي الإجراء  والعبيد أكثر مما للإبن ، إذ يحرمه من الأجرة ليتمتع مع أصدقاء السوء ، يأمر وينهي ، يحرمه من السهر ويرفض بياته ليقضي لياليه مع الأشرار ...

الحرية في نظر الابن المطيع ليست التخلص من وصايا الأب بل ، قبولها برضي وحب ، حتى تصير إرادة الأب هي إرادة الابن في طاعته لأبيه ... وتصير الوصية موضوع لذة وسعادة!

هذا هو مفهوم حرية النفس التي لم يكن يفهمها اليهود بسبب شرهم فعندما  قال لهم الرب (تعرفون الحق والحق يحرركم) أجابوه أننا ذريه إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط . كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحراراً أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية.

والعبد لا يبقي في البيت إلي الأبد ، فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً "يو32:8-36".

+ سبيلنا أن نخجل يا أحبائي ولتظهر سيرتنا فاضلة .... لأنه يكشف لنا عن المكتومات قائلاً (لست أسميكم أيضاً عبيداً لأنكم كلكم أحبائي ، لأنني أخبرتكم بكل ما سمعته من الأب) أي أنني منحتكم الدالة ...

تفطن في الأمر ، كيف أنها علاقة محبة؟

 لنخجل إذاً من هذا ، وإن كان لم يحدثنا بأقوال مثل هذه عن جهنم ، فإن خيانتنا له وعدم وفائنا لمحبته وإحسانه أرعب من جهنم ، ليس كعبيد مستأجرين بل كأبناء أحرار ، عاملين كل شيء لأجل محبة الأب...

الحب الإلهي وسقوط الإنسان.

هل يقدر الشيطان أن يؤذيك؟!

+ قد يقول قائل : ألم يؤذي الشيطان أدم ، إذ أفسد كيانه وافقده الفردوس ؟ لا إنما السبب في هذا يكمن في إهمال أدم الذي أصابه الضرر وعدم ضبطه لنفسه ، وعدم جهاده.

فالشيطان الذي استخدم مكائداً قوية كثيرة ضد أيوب لم يقدر أن يخضعه ، فكيف أمكنه بوسيلة أقل أن يسيطر على ادم ، لو لم يغدر أدم بنفسه على نفسه؟!

+ لقد قلنا قبلاً أن الشيطان لا يهزمنا بالقوة أو بسلطان أو بالعنف ، وإلا لدمرت  البشرية كلها . وقد أثبتنا هذا من حادثة الخنازير (مت31:8) إذ لم تستطع الشياطين أن تدخل فيها إلا بعد استئذان السيد.

لماذا لا يستعبد الله المحب الشيطان؟

والآن بقي لنا سؤال واحد ... إذاً قد يقول قائل : إن كان الشيطان لا يتغلب علينا جبراً بل بالمكر والخداع أما كان من الأفضل أن يهلك ؟ فإن كان أيوب قد هزم قوة إبليس إلا أن آدم خدع وطرد خارجاً ، فلو أن إبليس قد طرح خارجاً واستقصي بعيداً عن العالم لما سقط أدم وطرد؟ ... لكن إبليس باق الآن وإن كان يغلبه واحد إلا أنه هو يغلب كثيرين.

يصرعه عشرة ، أما هو فيصرع عشرة آلاف . فلو أن الله طرحه خارجاً عن العالم ، لما هلك هؤلاء العشرة ألاف ، ماذا نقول عن هذا ؟!!

1- كرامة الغالبين أعظم من خزي المغلوبين:

أولاً : نقول أن الذين غلبوا إبليس لهم كرامة أفضل بكثير من أولئك المغلوبين حتى ولو كان عدد المغلوبين كبيراً والأوائل قليلين ، إذ يقول (ولد) واحد يتقي الرب خير من ألف منافقين)ابن سيراخ3:16.

2- أذي المغلوبين كسلهم وليس الشيطان:

ثانياً : لو استعبد الشيطان من العالم ، فإن المنتصرين تجرح كرامتهم ، لكن لو ترك الشيطان يحارب فإن الكسالى وذوي البطر لا يتأذون على حساب المتيقظين إنما يتأذون بسبب بطرهم وكسلهم  بينما لو استعبد الشيطان عن العالم ، فإن المتيقظين يغبنون على حساب المتهاونين حيث لا تظهر قوتهم ويحرمون من الإكليل.

لعلكم لم تفهموا بعد ما قلته ، لهذا يلزمني أن أكرر القول موضحاً :ـ

لنفرض أن عدواً يصارع اثنين في حلبة المصارعة ، واحد منهما أنهكه النهم وعدم الاستعداد مما جعل قوته تخور ويفقد أعصابه ، أما الأخر فقد كان يقظاً له عادات حسنة يقضي زمانه في التدريب على تدريبات كثيرة في مدرسة المصارعة ، فلو سحب العدو من وسط الحلبة ، من من الاثنين يصيبه الأذى؟ من يكون ضحية؟ الإنسان المتكاسل غير المستعد ، أم الغيور المجاهد كثيراً؟! من الواضح أن هذا الأمر يؤذي الغيور المجاهد ويضايقه لأن المجاهد يغبن بإنسحاب العدو ، أما المتكاسل فلا يصيبه أذي لأن سقوطه سببه تكاسله.

3- تهاون الإنسان جعل الشيطان يدعي} مضللا{.

وهنا أيضاً أتعرض لتوضيح أخر حتى نتعلم أن التراخي والكسل هو الذي يصرع غير المنتبهين وليس إبليس ... إنما هو يسمح لإبليس لكي يفرط في الشر ليس (كأمر طبيعي) بل حسب الاختيار(أي قبولنا شره) فإبليس ليس طبيعياً (إلزامياً) مضر ، إنما كما هو واضح من أسمائه (أنه مجرد مضللا).  لقد أساء سمعة الإنسان أمام الله قائلاً(هل مجاناً ينتقي أيوب الله) ولكن أبسط يدك الآن ومس كل ما له فإنه في وجهك يجدف عليك) "أي9:1-11". ولقد ضلل إبليس أيضاً عندما قال(نار الله سقطت من السماء فأحرقت الغنم)"أي16:1". أنه كان يحاول إقناع أيوب بأن. هذه المصائب نازلة عليه من السماء من فوق ، واضعاً العثرات بين السيد الرب وعبده . وهكذا حاول إبليس لكنه فشل!!

أنه في نجاح محاولته مع أدم ، وتصديق أدم لتضليله ينبغي ألا يفهم أن انتصار إبليس وقوته يعود إلي طبيعته بل لكسل الإنسان وإهماله ، لهذا دعي إبليس.

إن التضليل وعدمه ليس أمر طبيعي بل قد يحدث أو لا يتم حدوثه دون أن يصل الأمر إلي درجة (الطبيعية).

إن موضوع الأمور الطبيعية والأمور العارضة ، موضوع يصعب على الكثيرين فهمه ، ولكن هناك من ينصت إلينا بفهم ، إلي هؤلاء نتحدث.

أننا نعرف بأنه ليس اسم من أسمائه أطلق عليه بالطبيعة ، فقد دعي"الشرير". لكن شره ليس أمر طبيعي بل باختياره . لم يكن منذ البداية هكذا ، بل جلب الشر لنفسه . كذلك دعي أيضاً (الجاحد)...

4- هل نستعبد الخليقة الجميلة أيضاً؟

لنترك الحديث عن إبليس الآن وننظر إلي الخليقة ، حتى نعلم أن إبليس ليس هو السبب في آلامنا لو أخذنا منه ، وحتى نعرف أن ضعيفي الإرادة وغير المستعدين والكسالى يسقطون حتى ولو لم يوجد إبليس ويسقطون بأنفسهم في أعماق الشر ...

الكل يعرف ـ كما قلت ـ أن إبليس شرير ، ولكن ماذا تقول عن الخليقة والعجيبة؟! هل الخليقة شريرة أيضاً؟ من هو الشرير والغبي حتى يجرؤ ويدين الخليقة؟!

أن الخليقة جميلة ، وهي علامة حب الله وحكمته وقوته ، لنستمع إلي النبي الذي يتعجب قائلاً (ما أعظم أعمالك يا رب . كلها بحكمة صنعت "مز24:104". وقد مر النبي على الخليقة واحدة تلو الواحدة في دهشة) ولكن أمام حكمة الله غير المنظورة تراجع قائلاً (فإنه بعظم جمال المبروءات يبصر ناظرها على طريق المقايسة)"حك5:13".

 ولنستمع إلي بولس الذي يقول(لأن أموره غير المنظورة تري منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية)"رو20:1". فكل شيء من أمور هذه الخليقة ـ تقودنا إلي معرفة الله.

والآن إن رأينا نفس هذه الخليقة الجميلة والعجيبة تصير سبباً لشر الإنسان فهل نلومها إذاً؟! حاشا . بل نلوم أولئك الذين لم يستطيعوا استخدام الدواء استخداماً صائباً.

إذاً متى تصبح الأمور التي تقودنا إلي معرفة الله عله شرنا؟ يقول الرسول ، إن الحكماء (حمقوا في أفكارهم ... وعبدوا المخلوق دون الخالق)"رو21:1-25. لم يأت ذكر إبليس هنا ، بل وضعت أمامنا الخليقة كمعلمة لنا عن حكمة الله ، فكيف صارت علة شر؟! هذا طبعاً لا يرجع إلي طبيعتها بل إلي إهمال الذين لا يحترسون لأنفسهم ، لأنه ماذا يقول؟ هل ننزع الخليقة أيضاً؟!

5- وهل نستعبد أعضاءك أيضاً؟

لنترك الخليقة ونأتي إلي أعضائنا ، فحتى هذه نجدها سبباً في هلاكنا إذاً لم نأخذ حذرنا ، وهذا ليس عن طبيعة الأعضاء بل بسبب تراخينا أيضاً. لقد وهبنا عيوناً نعاين بها الخليقة فنمجد السيد الرب ، ولكن متى أسأنا استخدامها تصير خادمه للزنا.

وقد أعطينا اللسان لنعلم حسناً ، ونسبح الخالق ، فإذا لم نحترز لأنفسنا يصير علة تجديف. وأخذنا الأيدي لنرفعها في الصلوات ، ولكننا إذ لم ننتبه نجدهما يعملان في الطمع والجشع.

ووهبنا الأقدام لتسير في الصلاح ، وبإهمالنا تتسبب في أعمال شريرة ، إن كل الأشياء تؤذي الإنسان الضعيف ، حتى أدوية الخلاص (بالنسبة للرافضين إياها) تسبب الموت ... لا بسبب طبيعة الدواء بل بسبب الضعف.

الله خلق السموات لنعجب من أعماله ونعبد الرب لكن آخرون تركوا الخالق وعبدوا السماء ، وعلة هذا إهمالهم وجمودهم.

6- حتى الصليب عند الهالكين جهالة.

بالتأكيد لا يوجد شيء يؤدي بنا إلي الخلاص أكثر من الصليب لكن هذا الصليب صار جهالة للهالكين (لأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة ، أما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله)"1كو18:1". ويقول أيضاً ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة)"1كو23:1".

7- والرسل صاروا رائحة موت لكثيرين.

من يقدر أن يعلم أفضل من بولس والرسل؟! لكنهم صاروا رائحة موت لكثيرين .

إذ يقول الرسول بولس(هؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة)"2كو16:2". إن الضعيف (الرافض) يؤذيه حتى الرسول بولس ، وأما القوي لا يقدر أن يؤديه حتى إبليس؟!

8- وفي المسيح عثر كثيرون

لننتقل بحديثنا إلي يسوع المسيح نفسه. من يقدر أن يقيم خلاصه؟! ما أكثر النفع الذي جنيناه من حضوره معنا!! لكن هذا المجيء المبارك بعينه صار عله دينونة لكثيرين (فقال يسوع لدينونة أتيت أنا إلي هذا العالم حتى يصير الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون)"يو39:9".

ماذا نقول يا أخوتي : هل يصير النور سبباً في العمى ؟!! ليس النور بل الشر الذي ملأ عيون النفس فحجب عنها معاينة النور.  وهكذا نري الضعيف (المصر على شره) يؤذيه كل شيء ، أما القوي فينتفع من كل أمر.

9- إستفد من إبليس.

حتى إبليس يمكن أن يكون سبب نفع لنا إن فهمناه ... وهذا واضح في حالة أيوب . ويمكن أن نتعلم هذا أيضاً من بولس إذ يكتب بخصوص الزاني قائلاً (أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي يخلص الروح "1كو5:5". أنظروا حتى الشيطان قد صار سبب خلاص ، لا بطبيعته ولكن بمهارة الرسول كالطبيب الذي يحضر حية ويستخرج منها دواء.

فلنتعلم أيضاً أن إبليس ليس هو علة خلاص ، لكن قدماه تسرعان نحو هلاك الجنس البشري ... إذ يقول الرسول في رسالته الثانية لأهل كورنثوس عن الزاني عينه(أطلب أن تمكنوا له المحبة ... لئلا يطمع فينا الشيطان لأننا لا نجهل أفكاره)"2كو8:2-11".

وهنا يعتبر الرسول بولس الشيطان كمنفذ لأحكام الله ... إذ قال الله للشيطان بخصوص أيوب(ها هو في يدك ، ولكن احفظ نفسه"أي1،5:2".

هكذا أعطي الرب حدوداً لإبليس لا يتعداها ، حتى لا يبتلعه بغير حياء .. لذلك لا نخاف الشيطان حتى ولو كان روحاً بغر جسد ، فليس شيء أضعف منه ذاك الذي جاء بطريقه ما ولو كان غير جسدي ، ولا شيء أقوي من الشجاع ولو كان يحمل جسداً قابلاً للموت!!

لست أبرئ الشيطان.

لم أنطق بهذه الأمور لأبرئ الشيطان من الذنب لكن لكي أحذركم من الكسل . فإن رغبة الشيطان أن نلقي باللوم عليه في أخطائنا وبهذا نغرق في كل صنوف الشر ونزيد على أنفسنا العقوبة ولأننا العفو إذ ننسب العلة إليه(بغير توبة منا).

حواء لم تنل شيئاً (من العفو) ليتنا نحن لا نصنع ما فعلته بل لنعرف أنفسنا ، ولنعرف جراحاتنا وعندئذ يمكننا أن نستخدم الأدوية ، لأن من يعرف مرضه لا يبالي بضعفه.

أننا نخطئ كثيراً ن هذا أعرفه جيداً ، لأننا جميعاً مستحقون العقوبة لكننا لا نحرم من العفو ، ولا نستبعد عن التوبة ، إذ لا نزال قائمين كمن في مسرح للمصارعة وفي صراع للتوبة.

لماذا لم يخدعكم الشيطان؟

لقد بدأنا أول أمس في الوعظ بخصوص (الشيطان)... وبينما كنا نشرع في الوعظ ، ذهب البعض إلي البعض إلي المسارح يشاهدون عروض الشيطان . لقد كانت لهم شركة في الأغاني الخليعة ، أما أنتم فكنتم تشتركون في الموسيقي الروحية .  كانوا يأكلون من نفايات الشيطان ، أما انتم فكنتم تتغذون بدسم روحي.

أسألكم من الذي خدعهم؟ من الذي فصلهم عن القطيع المقدس؟ هل الشيطان هو الذي خدعهم؟! فلماذا لم يخدعكم أنتم؟! مع إنكم وإياهم بشر متشابهون ، أقصد لكم طبيعة واحدة ... لكم نفس(روح) مشابهه وغرائز (ميول) واحدة بقدر ما خصتكم بذلك الطبيعة...

ملحوظة: اختلاف الهدف يؤدي إلي الإنشطار فشطر فوق وشطر تحت الخداع

إذاً كيف لم يكن الكل في مكان واحد ، إلا بسبب اختلاف الهدف لهذا السبب بحق هم صاروا تحت الخداع ، وأما أنت ففوقه.

إختلاف الهدف : لست أقول هذا لكي أبرئ الشيطان من الاتهام ، بل اشتاق بغيرة أن تتحرروا من الخطايا .

طبيعة الشر: فالشيطان شرير ، وأنا أسلم بهذا ، لكنه شرير بالنسبة لذاته وليس بالنسبة لنا ما دمنا حذرين ، لأن هكذا هي طبيعة الشر ، أنها مهلكة للذين يتمسكون بها وحدهم ...

إبكموهم بالقدوة الحسنة:

لهذا هل تستخدم هذه الوسيلة للبرهان ، فإن رأيت إنساناً يعيش في شر ويظهر كل صنوف الآثام ملقياً باللوم على العناية الإلهية ، قائلاً بأن هذا مصادفة بحكم القضاء والقدر أو بسبب استبداد الشياطين وأن الله وهبنا هذه الطبيعة ... وكل الأمور التي ينزع بها اللوم عن ذاته ليلقي بها على الخالق المعتني بالكل ، عندئذ أبكم فمه لا بالكلام بل بالعمل ، مظهراً للعبد رفيقك الحياة في الفضيلة والاحتمال. أنه لا حاجة للأحاديث الطويلة أو عمل خطة معقدة ولا حتى إلي قياسات منطقية .

 بل بالأعمال يتحقق البرهان.

قد تقول أنك عبد ، وهو عبد مثلك ، أنت إنسان وهو أيضاً إنسان أنك تعيش في نفس العالم وتتنعم بنفس الأمور التي هي تحت السماء فكيف تعيش أنت في الشر وأما هو فيحيا في الفضيلة؟!

من يقدر أن يؤذي الإنسان?!

عزيزي   ....

أنك لست بالمخلوق الهين ... لست لعبة في يد الأقدار ، ولا غنيمة في يد الشيطان ... ولكن يلزمك أن تعرف نفسك . إنك المخلوق الإلهي الذي وهبك الله سلطاناً على نفسك وحرية لإرادتك . فلا يستطيع شيطاناً ولا خليقة ما ولا سيفاً ولا فقراً ولا قوة ما أن تؤذيك ما لم تؤذ نفسك بنفسك!

وهبك الله أن تستعد نفسك أو تشقيها إن بقيت في هدفك أو انحرفت عنه... فإن بقي هدفك هو ارتباطك بالله ، فإن كل الأمور تعمل معاً نحو سعادتك ... الشيطان يحاربك ، لكنك بنعمة الرب يسوع تنال النصرة ، فتكلل بالأكثر ، وتزداد دينونته هو.

الضيق يحاصرك ، فتشعر بالشركة مع الرب المتألم! الأفراح تتعقبك ، فتشكر وتمجد واهب العطايا!

هكذا كل الظروف تعمل معاً لخيرك ما دام هدفك ثابتاً ، أما متى انحرف الهدف فإنه حتى الكتاب المقدس يصير عثرة لك.

المسيح يعلن لك ذاته ، فتصير دينونتك أقسى . والبركات تغمرك فنلهي بالبركة دون واهبها والأحزان تباغتك فتتضايق وتتبرم متذمراً !

عزيزي ... إنك بلا عذر ، لأن الله وهبك سلطاناً وقدم لك كل إمكانية تعمل لخيرك إن أردت وقد سجل لنا ذهبي الفم إحدى مقالاته عن (لا يقدر أحد أن يؤذي إنساناً ما لم يؤذ هذا الإنسان نفسه) كما سجل ثلاثة مقالات عن (سلطان الشيطان على الإنسان) وقد سبق لي ترجمة هذه المقالات في كتيبين سبق طبعهما لذلك آثرت الاكتفاء بذكر بعض المقتطفات منهما منعاً من الإطالة .

انحراف الهدف يؤذي الإنسان.

1- الإختلاف بين الخراف والجداء:

+ مخيف هو كرسي القضاء ، ومرعب بالنسبة للخطاة والذين هم تحت الدينونة ، أما بالنسبة للمتيقظين لأنفسهم بالأعمال الصالحة ، فإن كرسي الحكم موضع شوقهم ويكون رقيقاً بالنسبة لهم.

(فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار)"مت33:25". كلاهما بشر ، فبالحقيقة لماذا هؤلاء خراف وأولئك جداء؟1 لا لكي نتعلم وجود فارق في طبيعتهم ، بل بسبب اختلاف الهدف.

ولكن لماذا يحسب الذين لا يظهروا حنواً جداء ؟ لأن هذا الحيوان بالنسبة لأصحابه غير مثمر                  لا يساهم بنصيب لا من جهة إنتاج اللبن أو إنجاب نسل أو من جهة الشر(الصوف) .. فإذ ليس لهم ثمر قارنهم بالجداء أما الذين عن اليمين فدعاهم (خراف) لأن هؤلاء تقدمتهم عظيمة ، من صوف طبيعي وإنجاب نسل وإنتاج لبن ، ماذا يقول لهم (لأني جعت فأطعمتموني ، عطشت فسقيتموني   كنت غريباً فآويتموني) مرة أخري قال للآخرين العكس.

مع هذا فإن كلا الفريقين أناس متشابهون(كبشر) ، وكلاهما نال نفس المواعيد ، ووضعت المكافأة للجميع ليصنعوا خيراً ، وقد جاء نفس الشخص(الفقير) لهؤلاء وأولئك ، بنفس العرى ، وجاءهم الجائع والغريب ذاته ... إن كل الأمور متشابهة بالنسبة لهؤلاء وأولئك.



تاريخ آخر تحديث: الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 18:18