الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 17:55 خدمات الموقع - اقوال اباء
طباعة
فهرس المقالات
أقوال القديس مرقس الناسك
الصفحة الثانية
جميع الصفحات
AddThis Social Bookmark Button

أقوال القديس مرقس الناسك.
الحب الإلهي والوصية. مفهوم الوصية.

الوصية وحياة الإنسان.

الوصية في حقيقتها هي علامة حب من الله نحو الإنسان محبوبة. . هي عهد ، سمح الله به لأدم ، حتى ببقائه أميناً في عهده ، يبقي مرتبطاً بالله مصدر حياته ، فلا يستقل بذاتيته ويرجع إلي أصله (التراب)!!

هي عطية ثمينة مقدمة من يدي إله محب ، بقصد ارتباط محبوبة به ، وإذابة الإرادة البشرية في إرادته غير المتناهية ، دون أن يفقد الإنسان شخصيته أو حريته ، بل باحترام الإنسان للعهد وتمسكه به ، ينال الإنسان كرامة لا يستطيع مخلوق أخر أن ينالها.

فالوصية في مكنونها لم تكن حملاً أو ثقلاً يسقط تحت عبئه الإنسان كما نتصور نحن الآن بعد السقوط لا بل هي بحق صادرة عن أحضان إلهية محبة ، تريد أن تحتفظ بالإنسان فيها ليتمتع بكل الانعكاسات التي للطابع الإلهي على صورته إلي الأبد ، وليس لأجل إذلاله...

وتظهر أعماق محبة الله في وصيته لأدم أنها كانت أسهل وصية ممكنة ... وكانت الوصية الأولي والأخيرة لو لم يعصى!

كان العهد مادته شجرة(تك17،16:2) في وسط فردوس مملوء بالأشجار ، ليس لها ميزه عن بقية الأشجار المحيطة بها...

وكان الناموس الإلهي مكوناً من بند واحد ، وهو (لا تأكل "تك17:2") وما كان أسهل على ادم أن يحيط هذه الشجرة بأشجار أخري كثيرة ، لو كان أمينا ومحباً غيوراً على بقاء نفسه مرتبطة بالله مصدر حياته.

فناموس الله بالنسبة لأدم قبل السقوط ، كما بالنسبة للإنسان ـ بعد ما يتنعم بمغفرة خطايا ـ موضوع سرور وبهجته.

لذلك عندما تكلم المرتل عن(الرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار و في طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين" لم يجلس"مز1:1" قال (لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهارا وليلا) لم يقل (تحت الناموس) بل (في ناموس الرب) لأن الناموس لم يصر عبئاً ثقيلاً نرزح تحته إلا بالسقوط في الخطية .

فقبل السقوط كنا في الناموس وليس تحته ، وكان موضوع سرورنا وليس عبئاً ثقيلاً. أما وقد أخطأ الجميع"رو28:3". فإنه(وجدت الوصية التي للحياة هي نفسها للموت . لأن الخطية وهي متخذه فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني)"رو11،10:7".

(إذاً الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة ... فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية)"رو14،12:7".

الوصية والمشاركة في الحب.

الوصية في نظر أدم قبل السقوط كان لها مفهوم أخر . إنها شهوة يبتغيها ، لأنه بدونها لا يقدر أن يستطعم مشاركة حب الله له...

تصور معي إنساناً يقدم لعروسه فوق ما تطلب وأكثر مما تحتاج ، يغدق عليها بالحب والعطف والحنان بالأكليل أو حدود ... أما تشتهي العروس أن يترك عريسها مجالاً مهما كان صغيراً تعبر فيه عن حبها له؟!!

فالعريس الذي لا يترك لعروسه مجالاً لرد محبته إليها بمحبته ، ولو بطاعتها له في أقل الأمور يكسر قلبها ويحزنها! ...

فبدون الوصية ما كان لأدم أن يستطعم المشاركة في الحب ... ففي حب قدم الله لأدم الوصية ، حتى يعبر هذا المحبوب عن حبه لله ، الذي هو انعكاس لحب الله عليه...

هذا المفهوم كشفه لنا يسوع عندما قال(إني كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي"يو15:14") .
(الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني . والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي)"يو21:14".

فبقدر ما يحفظ الإنسان الوصية يعلن حبه لله أو قل يتجاوب مع حب الله له ... عندئذ يدخل في شركة أعمق فأعمق في حب الله اللانهائي ... هذا هو عمل الوصية ، وهذا هو هدفها!

 تغير نظرتنا نحو الوصية.

رأينا الوصية كما هي ، وكما أرادها الرب ، لكن بالسقوط خسرنا النظرة السليمة ، فصارت الوصية بالنسبة لنا ليست إلا أوامر ونواه... صرنا نري الله صعباً وقاسياً في وصاياه ، يطالبنا بما ليس في قدرتنا ... يريد أن يحرمنا ويذلنا ويفقدنا اللذة والمتعة في العالم.

هذه هي ثمار استقلال الإنسان بذاتيته وانفصاله عن الله ... لقد غلظ قلبه وتشوهت نظرته ومفاهيمه (القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه)"أر9:17". وكما يقول المرتل(زاغ الشرار من الرحم ضلوا من البطن متكلمين كذباً)"مز3:58". ويؤكد الرسول بولس (إذ هم مظلمو الفكر ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم)"أف18:14".

هذا ما صنعته الخطية أنها شوهت نظرتنا إلي أعمال الله .

 ولقد ظهر ذلك في حياة الفريسيين الذين كانوا بحسب دراستهم في الكتاب المقدس الذي بين أيديهم قادرين على التعرف على يسوع ورسالته و أعماله ... وكنا نظن أنهم سيكونون في مقدمة الشاهدين عنه والمؤمنين به والمدركين حبه ، لكن الخطية طمست عيونهم عن التلاقي بالحب الإلهي. رأوا يسوع عنيفاً ، جاء يختلس مراكزهم ويسلب كرامتهم ويفقدهم العصمة التي أحاطوا أنفسهم بها .. لقد غشتهم الخطية عن فهم الحقيقة . وقد أوضح لهم الرب ذلك قائلاً (لماذا لا تفهمون كلامي . لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي . انتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعلموا)"يو44:43:8".
فبكسر الوصية فقد ادم مفهوم الوصية ، وبكسرها خسر الفريسيون قدرتهم على التعرف على الله ومحبته.

فالوصية في ذاتها لها القوة للكشف عن مفهومها إن خضعنا لها وارتبطنا بها ... إذ هي قادرة بالروح القدس أن تقودنا إلي التبكيت الحقيقي فالتوبة والاعتراف ، مدركين عمق الله لنا كغافر للخطايا هذا ما يؤكد الرب في قوله (إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي . وتعرفون الحق والحق يحرركم)"يو32،31،8". (الكلام الذي أكلمكم به روح وحياة)"يو63"6.(لأن كلمة الله حيه وفعالة)"عب12:4". 

+ يختفي الله في وصاياه ، فمن يطلبه يجده فيها (بتنفيذه إياها).

+ لا تقل إنني أتممت الوصايا ولم أجد الرب ، لأن من يبحث عنه بحق يجد سلاماً. !

الوصية والحرية.

+ لا تستطيع قوة ما أن ترغما على صنع الخير أو الشر ، غير أن الذي تعمل له بحرية إرادتنا ، إن كان الله أو الشيطان ، فذاك يحثنا إلي العمل الذي يخص مملكته.

+ لا تقل: إني لا أعرف ما هو حق . فأنا لست مخطئاً فيما صنعت !! لأنك لو صنعت الخير الذي تعرفه ، فسينكشف لك الخير الذي لا تعرفه شيئاً فشيئاً . لأن الخير يكشف عن بعضه البعض.

إنه ليس من المفيد لك أن تعرف الخير التالي ما لم تنفذ الأول لأن (العلم ينفخ) متى كان بدون عمل ، ولكن(المحبة تبني) لأن(المحبة تحتمل كل شيء)"1كو1:8" ، 7:13.

قدم لنا وصية من أجل الملكوت

الوصية تهيئنا للملكوت.

+ تهب المعمودية الذين يعمدون في الكنيسة نعمة تسكن فيهم سراً ، وحينما يمارسون الوصايا ويتمسكون بالرجاء ، تبدأ النعمة تكشف ذاتها لهم حسب كلمات الرب(من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي.(قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه)"يو39:38:7".

الوصية تعرفنا بالملكوت .

+ يختفي الرب في وصاياه ، فمن يطلبه يجده فيه (بتنفيذه إياها).

+ لا تقل إني قد أتممت الوصايا ولم أجد الرب ، لن من يبحث عنه بحق يجد سلاماً.

+ كل كلمة من كلمات المسيح تكشف عن مراحم الله وبره وحكمته ويمكن أن تكون لهذه الكلمة قوتها في النفس عن طريق الأذن إن هي أصغت إليها طوعاً . وهذا هو السبب في أن الإنسان قاسى القلب والشرير الذي لا يصغي إليها طوعاً ليس فقط لا يدرك الحكمة الإلهية بل ويصلب (يسوع)الذي علم بها.

لذلك يجب علينا أيضاً أن ننظر إن كنا نصغي إليه طوعاً إذ قال (إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني ، والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي)"يو21،15:14".

ألا تري كيف يجعل في وصاياه مكمناً لإعلان ذاته ؟! إن أعظم الوصايا هي أن تحب الله والقريب ، تلك التي بعد ما نرفض كل الأمور الزمنية ويستقر ذهننا.

علامات الملكوت.

+ تأمرنا الشريعة ... أن نعمل ستة أيام ونستريح في اليوم السابع من أعمالنا . فالنفس عملها هي أن تستعمل مقتنياتها استخداماً حسناً (الأعمال). وراحتها تكمن في أن يبيع الإنسان كل ما عنده حسب قول الرب ، ويعطي للفقراء ، وتصير النفس في سلام خلال انعزالها عن المقتنيات وتمسكها عاملة برجائها الداخلي.

وأيضاً يحثنا بولس أن نخل بكل جهاد في هذه الراحة قائلاً (فلنجتهد أن ندخل تلك الراحة)"عب11:4".

+ المتألم في الله هو وارث لسمات الحنو ، لأن الحب الحقيقي يختبر في الضيق .                               + لقد كان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلقة بسبب الخوف من اليهود (يو19:20).
فمن يقطن أمناً في مدينة الرؤيا في غلبة التأمل المقدس خائفاً من الأرواح الشريرة ، مغلقاً على حواسه ، يتقبل كلمة الله . وهي تأتي إليه بطريقة خفيه وتظهر له بطريق غير الحواس ، معلنه له السلام ، وواهباً إياه هدوءاً معطيه إياه أن يكون عديم الشهوات ... وإذ تتنسم فيه وتهبه مواهب الروح العديدة ، وتعطيه سلطاناً على الرواح الشريرة وتظهر له علامات الأسرار الإلهية.

+ والسلام هو تحرر من الشهوات ، الأمر الذي لا يمكن أن نناله بدون عمل الروح القدس.

+ إن سعادة الأبرار التي ينالونها في القيامة هي في السماء . ولكن عربون هذه السعادة وباكورتها يظهر أثره الروحي من الآن في قلوب المؤمنين.

فإذ لنا شهادة عن المستقبل ، يلزمنا أن نتخلى عن كل الحاضر ونحب الله حتى الموت . من أجل ذلك لا يقول الرسول(ستأتون) بل قال(قد أتيتم إلي جبل صهيون وإلي مدينة الله الحي أورشليم السماوية)"عب22:12".

فنحن جميعاً صار لنا هذه الإمكانية بالمعمودية ، لكن الذين ينالونها فعلاً هم الذين لهم إيمان راسخ ويموتون كل يوم من أجل حب المسيح ، أي الذين ارتفعوا فوق كل تفكير يخص الحياة الحاضرة غير مفكرين سوى كيف يبلغون إلي كمال حب المسيح . والقديس بولس يطلب هذا فوق كل مطلب قائلاً(أسعي لعلي أدرك الذي لآجلة أدركني أيضاً المسيح يسوع)"في12:3". أي أن أحب المسيح كما أحبني هو.

ولما أدرك (بولس) هذا الحب الذي كان يسعى إليه ، لم يعد يعبأ بفكر أخر: سواء يخص أحزان الجسد أو عجائب الخليقة ، إنما هجر كل المنظورات قائلاً(من سيفصلني عن محبة المسيح)"رو35:8"
وهكذا لم يعد يرغب أن يفكر في شيء ، سوي أن يستوطن هناك (في القلب وفي حب المسيح).

مواهب الروح القدس.

سر الميلاد الجديد.

+ هكذا فإن أي مؤمن يحيا حسب الوصايا ، وينجح في عمله الروحي ، يجب عليه أن يؤمن بأنه سبق أن أعطي له القدرة على ذلك، لأنه نال في المعمودية نعمة الروح القدس.

الذي هو مصدر كل خير ، ومصدر كل فضيلة ، ليس فقط الفضائل الداخلية والروحية بل والمنظورة أيضاً .

فليت كل إنسان فاضل يدرك أنه لا يقدر أن يصنع خيراً من ذاته لأن الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصالحات مت35:12". وليس من ذاته . والكنز يعني الروح القدس المخفي في قلوب المؤمنين.

+ يتقبل العقل المستنير من داخل الهيكل السري في القلب المشورات الصالحة المباركة من المسيح الساكن في الداخل (وعندئذ) يخرجها إلي حيز التنفيذ بالسلوك في حياة الفضيلة ، ثم يعود فيقدم العمل الصالح إلي المسيح الذي وهبه المشورة بواسطة الأفكار الصالحة. 

الروح القدس والقداسة

تقديس الخطاة .

+ هكذا فإن أي مؤمن يحيا حسب الوصايا وينجح في عمله الروحي يجب عليه أن يؤمن بأنه يبق أن أعطيت له القدرة على ذلك ، لأنه نال في المعمودية نعمة الروح القدس ، الذي هو مصدر كل خير ، ومصدر كل فضيلة ليس فقط الفضائل الداخلية والروحية بل والمنظورة أيضاً .

فليت كل إنسان فاضل يدرك أنه لا يقدر أن يصنع خيراً من ذاته (لأن الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصالحات)"مت35:12". وليس من ذاته.

تقديس الفكر.

+ تهبنا المعمودية المقدسة حرية كاملة ، ومع ذلك فإن للإنسان مطلق الحرية والإرادة أما أن يستعبد مرة أخري برباطات شهوانية ، أو يبقي حراً في تنفيذ الوصايا.

فإن التصق بالفكر إحدي الشهوات فهذا يكون من عمل إرادتنا الخاصة ، وليس رغماً عنا . إذ يقول الكتاب أنه قد أعطي لنا سلطاناً(هادمين ظنوناً)"2كو5:10".

وبكون الفكر الشرير ، بالنسبة لمن يهدمونه ، علامة على حبهم وليس للخطية . لأن وجود الفكر الشرير ليس فيه خطية ، إنما تكمن الخطية في حديث العقل معه حديث ود وصداقة. فلو أننا لسنا مغرمين بالفكر الشرير ، فلماذا نتباطأ نحن فيه؟

إذ الشيء الذي نبغضه من كل القلب ، يستحيل أن تطيل قلوبنا الحديث معه إلا إذا كانت لنا شركة خبيثة معه؟!

+ أحياناً يهاجمنا فجأة فكر شرير نحن نرذله ويتسلل إلينا كلص بغير رضانا ويأسر عقلنا بالقوة. ولكن يجب علينا أن نعرف تماماً أن حتى هذا الفكر منشأه هو فينا : لأنه أما أن يكون قد سبق خضوعنا له في الماضي بعد العماد دون أن نمارسه عملياً.

أو أننا نحتفظ في داخل نفوسنا وبرضانا لبعض الشر تلك التي تعطي للشرير قوة لكي يسكن فينا . وبالتالي لا يتركنا الشرير ما لم نرفض تلك البذور الشريرة التي في داخلنا والتي تعطيه سلطاناً علينا. فبالنسبة للفكر الشرير الذي يبقي فينا خلال ارتكابنا الشر(ممارسته عملياً) فإن طرده متعلق بتقديمنا أعمالاً أمام الله تليق بالتوبة.

من هذا يتضح أنك مدان حتى على الفكر اللاإرادي الذي يضايقك لأن لك القدرة أن تطرده وتطهر عقلك منه منذ اللحظة الأولي التي ابتدأ يهاجمك فيها ، لكنك لا ترغب في أن تطرد بل تتماسك وتتجاذب معه برضاك ولو أنك لا ترتكب فعله (عملياً) أنه قد وجد فيك مكاناً دافئاً كمن وجد صديقاً أو زميلاً قديماً).

+ إذا شعرت في قلبك بمعونة أتيه إليك فأعلم يقيناً أن هذه النعمة لم تأتي إليك من خارج بل هي النعمة المعطاة لك في المعمودية بالسر قد صارت الآن عاملة فيك جزاء بغضك لفكر الشر وأعراضك عنه.

+ أن هناك علاقات وثيقة بين شهواتنا وأفكار الشر المضايقة لنا ، وكأنما قد جمعتهما رباطات القربى الشريرة.

فكل فكر يتأصل في الإنسان الذي يرحب به يسلمه إلي الفكر القريب التالي له حتى أن الإنسان الذي ينساق في عادة ينحرف إلي الأخرى رغماً عنه.

فمن يقدر أن يهرب من الكبرياء إن كان مملوء مجداً باطلاً؟ وكيف لا يستسلم للأفكار الدنسة ، من ينام ويستسلم للملذات؟!

وكيف لا يؤسر بالقسوة وعدم الرحمة من اختار الاغتصاب؟ وكيف يقدرون أن يهربوا من الثورة والغضب من يتلذذون بها جميعها؟!

+ أفكار الشيطان هي مجرد تصور عقلي محض لشيء (أو عمل) شرير والذي يمكنه من التملق علينا أو حتى مجرد الاقتراب إلي عقلنا هو ضعف إيماننا.

لأننا بعدما تسلمنا الوصية لنطرح عنا كل الإرتباكات ونحفظ قلوبنا في يقظة كاملة(ام23:4) وان نطلب ملكوت الله الذي هو في داخلنا تخلي العقل عن القلب وعن الغرض الذي نسعى إليه وبهذا أفسحنا المجال في الحال لتخيلات الشيطان وصار العقل متساهلاً في قبول أي منشودة شريرة. ولكن حتى إلي هذا الحد، ليس للشيطان أي سلطان أن يحرك أفكارنا وإلا ما كان يرحمنا بل كان يدس.

لنا كل أنواع الأفكار الشريرة ولا يسمح لنا بأي عمل صالح . إنما قدرته محصورة في مجرد تقديم مشورة كاذبة في بدء كل فكر ، ليختبر أي جهة تميل إليها قلبنا : هل يميل إلي مشورته أم إلي مشورة الله ؟ لأنهما نقيضان.

حينما يستقر فكر مرذول ... في داخلنا ويتأسس فينا فهذا يرجع إلي أننا سبق أن قبلناه وليس راجع إلي حالة جديدة بلغناها.

ويمكننا أن نحصر مثل هذا الفكر ليبقي وحده منفصلاً ، فعدم إذعان القلب له يمنعه من أن يمتد لينتج أفكاراً أو شهوات أخري . لأن الفكر الوحيد(العاري) الذي يرذله إنسان ساهر على نفسه، ليس له سلطان أن يجذب إلي العقل أفكاراً أخري . لأن هذا لا يحدث إلا إذا كان في القلب ميلا إليه.

من أجل ذلك فإننا إذا قطعنا كل ميل (في العقل) نحو التصورات التي سبق أن قلناها ، فحينئذ ستبقي مجرد أفكار عارية ليس لها سلطان أن تؤذينا أو تقاوم ضمائرنا.

+ حينما يفهم العقل عدم نفع صراعه مع التخيلات (الانطباعات) التي قبلها سابقاً ، ويعترف أمام الله بذنوبه السابقة ؛ فإنها ترفع عنه التجربة ويستعيد قدرته على ضبط القلب وحفظه بعناية فائقة بواسطة الصلاة ، مجاهداً أن يدخل إلي أعماق القلب الداخلية الآمنة هناك حيث لا تعود زوابع الأفكار الشريرة تكتسح في طريقها النفس والجسد معاُ لتلقي بهما في مزالق الشهوة والنجاسة . ولا يوجد بعد اثر للطريق الواسع الرحب الذي تزينه الألفاظ والتصورات العالمية الخادعة ، تلك التي تدنس كل من يسلك هذا الطريق مهما بلغت حكمته.

فأعماق النفس الداخلية النقية أي مسكن المسيح تتقبل عقلنا الذي تعري من أغلفة العالم ، ليدخل وحده خالياً من أي شيء من هذا العالم ... إنما يدخل معه فقط هذه الثلاثة التي أشار إليها الرسول(الإيمان والرجاء والمحبة)"1كو13".  

فإن كان احد يحب الحق ويروم أن يحفظ قلبه ، فإنه كما قلت سابقاً يقدر أن يمنع أي محاولة لانجذابه ولو إلي الانطباعات التي سبق له قبولها ، كما يستطيع أيضاً أن يحفظ قلبه متعمقاً في داخلة شيئاً فشيئاً حتى يقترب من الله(الساكن فيه) بشرط ألا يهمل الصلاة والحياة (حسب إرادة الله) لأن الإنسان لا يقوي على العمل القلبي ، ما لم يحترس كل يوم ، ليس فقط من الخارج بل ومن الداخل أيضاً من أي تشتت عقلي أو انجذاب للذة جسدانية. 

... كان يمكن أن تعرض أفكار الشيطان على آدم ، لكن في مقدور آدم أن يصغي إليها أو ينبذها.
فظهور الفكر في ذاته ليس شراً أو خير ، إنما هو اختبار لإرادتنا الحرة فمن يتمسك بالوصية(ويرفض الفكر) يكافأ بإكليل(النصرة) جزاء إيمانه ومن يميل إلي التراخي يعلن عن استحقاقه للدينونة جزاء عدم إيمانه .

غير انه يجب أن نعرف أننا لا ندان هنا في الحال بعد كل تصرف أن كنا نظهر فيه أننا ناجحون أو مستحقون للتوبيخ بل بعدما نكمل حياتنا كلها التي في خلالها نجرب بالأفكار ، فمرة ننتصر وأخري ننهزم ، نسقط ونقوم ، نضل الطريق ونرجع إليه ... هذا كله يحتسب لنا بعد الرحيل وبمقتضاه أما ندان أو نتزكى.

وهكذا ليس مجرد اقتراح الفكر علينا خطية . كلا البتة ! لأنه وإن كان يعرض علينا كفكر مجرد بغير رضانا ، إلا أن الله وهبنا قوة على العمل الروحي ، وصار في إرادتنا أن نقاوم الفكر مميزين الفكر الضار من النافع ، قادرين على نبذ الفكر أو قبوله . هذا الفكر الذي ليس له أن يتكاثر فينا عن ضرورة إنما كنتيجة لموقف النفس منه(قبولنا إياه) .

+ إذا أظلمت نفسنا بالشهوات والمجد الباطل وغرقت في أعماق الغباء . فإنها لا تعد تسمع لوصايا الكتاب المقدس ولا لنداءات . العقل الطبيعي ولا لنصائح المختبرين ، إنما تتبع تصوراتها الذاتية فقط  وطالما تحتفظ في داخلها بأسباب الشرور فإنه لا يمكنها أن نتحرر من الأعمال (الشريرة) المطابقة لها.

ولكن بقدر ما يؤمن الإنسان بالرب بخصوص السعادة المستقبلة ويحتقر المجد البشري وملذاته بقدر ما تكون له قوة بها يضبط أفكاره ويستمتع بسلام أكثر ممن يتمتع بالملذات . لهذا فإن كل منا يختلف عن الأخر في تفكيره وفي سلوكه.

واعلم يقيناً أن الرب ينظر قلوب الجميع . وكما وعد ، يحفظ أولئك الذين يبغضون الأفكار الشريرة في بدء ظهورها ولا يسمحون للفكر أن يتكاثر ويدنس العقل والضمير.  وأما الذين لا يصدون الفكر في بدء ظهوره ، بالإيمان والرجاء بالرب بل يتلذذون به ، فإن الله يتركهم بلا كغير المؤمنين فتغلبهم أفكارهم الشريرة ، ولا يطردها عنهم ، لأنه يري حبهم لها ولا يبغضونها في بداية ظهورها.

لا تستطيع قوة ما أن ترغمنا على صنع الخير أو الشر ، غير أن الذي نعمل له بحرية إرادتنا إن كان الله أو الشيطان ، فذاك يحثنا إلي العمل الذي يخص مملكته.

+ بداية كل عمل هو عرض لفكرتين لا يلحظهما العقل ، هما طلب مديح الناس أو انهماك الجسد (في الملذات). وحينما تهجم الفكرتان علينا لا إرادياً فإنهما لا يحسبان كفضيلة أو رذيلة قبل أن تنصاع إرادتنا لإحداهما إنما كل ما يفعلانه أنهما يكشفان إرادتنا.